ابن رشد
212
تهافت التهافت
اللفظ صيغة ليست موجودة في لسان العرب ، ولذلك عدل الفريق الآخر إلى اسم الموجود . والموجود الذي هو بمعنى الصادق هو الذي مفهومه هو غير مفهوم الماهية ، ولذلك قد يعلم الماهية من لا يعرف الوجود ، وهذا المعنى هو غير الماهية في المركب ضرورة وهو في البسيط والماهية واحد لا المعنى الذي دل به عليه المترجمون باسم الموجود ، فإن هذا هو الماهية بعينها . فإذا قلنا : إن الموجود منه جوهر ومنه عرض لزم أن يفهم من اسم الموجود المعنى الذي دل عليه المترجمون وهو الدلالة المقولة بتقديم وتأخير على ذوات الأشياء المختلفة . وإذا قلنا : إن الجوهر موجود لزم أن يفهم منه ما يفهم من الصادق . وكذلك إذا فهمنا من المسألة المشهورة عند القدماء وهي القائلة هل الموجود واحد أو أكثر من واحد ؟ وهي التي تكلم فيها أرسطو مع برمنيدس ومالسيس من القدماء في الأولى من « السماع الطبيعي » فليس ينبغي أن يفهم من ذلك إلا ما يدل على الذات . ولو كان الموجود يدل على عرض في موضوع لكان قول من قال : أن الموجود واحد متناقضا في نفسه ، وهذا كله بين لمن ارتاض في كتب القوم . ولما فرغ من تقرير قولهم أخذ في الرد عليهم فقال : قال أبو حامد : فهذا تفهيم مذهبهم . والكلام عليه من وجهين : مطالبة وإبطال . وأما المطالبة فبأن يقال : هذا حكاية المذهب فبم عرفتم استحالة ذلك في حق الأول حتى بنيتم عليه نفي التثنية إذ قلتم : إن الثاني ينبغي أن يشاركه في شيء ويباينه في شيء والذي فيه ما يشارك به وما يباين به فهو مركب والمركب محال . قلت : قد قلت : إن هذا إنما يلزم في المشاركة التي توجد من قبل الجنس المقول بتواطؤ لا من قبل الجنس المقول بتشكيك . فإذا أنزل مع الإله الثاني إله في مرتبة الأول في الألوهية فاسم الإله مقول عليهما بتواطؤ فهو جنس فينبغي أن يفترقا بفصل فيكون كل واحد منهما مركبا من جنس وفصل . والفلاسفة لا يجوزون على موجود قديم أصلا اشتراكا في الجنس ، وإن كان مقولا بتقديم وتأخير لزم أن يكون المتقدم علة للمتأخر . ثم قال أبو حامد مناقضا لهم : فنقول : هذا النوع من التركيب من أين عرفتم استحالته ولا دليل عليه إلا قولك :